منتديات فراشة تلعفر

منتديات فراشة تلعفر

منتدى عراقي -تركماني
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
اهلا وسهلا بكم في منتديات فراشة تلعفر ونتمنى لكم اروع واجمل الاوقات

شاطر | 
 

 الفصل الاول ادب الرثاء في بلاد الرافدين في ظل المصادر المسمارية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عاشقة عيون تلعفر



عدد المساهمات : 328
نقاط : 563
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/08/2011
العمر : 25
الموقع : منتديات فراشة تلعفر

مُساهمةموضوع: الفصل الاول ادب الرثاء في بلاد الرافدين في ظل المصادر المسمارية   الأربعاء أغسطس 24, 2011 12:58 pm

الفصل الأول
المراثي التأريخية (مراثي المدن ومناحاتها)
يحتل رثاء المدن المدمرة مكاناً هاماً في الأدب السومري والأكدي، وتعد مناحات المدن واحدة من أقدم نصوص الرثاء التي وصلت إلينا، والتي اختصت بحادثة تأريخية محددة ألا وهي دمار تلك المدن وسقوطها( )، ولم يكن سقوط المدينة خسارة لتلك المدينة أو العاصمة فحسب، بل تعدى الأمر ذلك؛ لشدة هول الحدث الذي حل بتلك العاصمة أو المدينة، وكذلك الواقع الديني لها بوصفها مدينة الإله، وفيها معبده، وهو المكان المختار لإقامته. فكلما حُرِقَت مدينة، وهُدِمَ معبدها، وشُرِّدَ أهلها، غالباً ما فُسِّرَ بتخلي الآلهة عن أهلها إذ أبيحت مدينتهم بيد أعدائهم ولولا ذلك التخلي لما حدث ما حدث.
إن أدب بلاد الرافدين المبكر يعكس حماسة الناس، وحذرهم من حوادث الانهيار في الواقع الاجتماعي، فهو يمثل حالة من التذكير بالمآسي التي تحدثها الكوارث السياسية من خلال رثاء المدن. وكذلك هي الحال عند التذكير بالكوارث البيئية (الطبيعية) من خلال قصة الطوفان التي تحكي القحط والجوع والتشرد، وينشأ من وراء ذلك إعطاء بعض التفاسير للقرارات المدمرة التي تصدرها الآلهة. إن هذا التعاقب للكوارث الطبيعية والسياسية يعني الموت والمجاعة، وهو يؤدي في واقع الأمر إلى تقليل عدد السكان، وهنا يكمن القرار الآلهي بتدمير الجنس البشري وهو عَتَب إلهي نتيجة الإزعاج الذي يحدثه الجنس البشري لتلك الآلهة من خلال الضجة الناجمة عن ضجيج الناس في المدن( ).
لقد برز ضمن صنف أدب رثاء بلاد الرافدين أسلوباً أدبياً سومرياً مميزاً ذا محتوى هاماً، وخصوصية ألا وهو رثاء المدن المدمرة. ويوجد من هذا الصنف الأدبي ستة نصوص حالياً، وهي تتعلق بمراثي المدن المدمرة للفترة السومرية والبابلية القديمة( )، وهي:
1. مرثية تخريب مدينة أور 435 سطراً، 11 مقطعاً.
2. مرثية مدينة أور وبلاد سومر وأكد، وتسمى مرثاة ابي-سين وتعد المرثية الثانية لأور، تتكون من 526 سطراً، 5 مقاطع.
3. مرثية مدينة نفر (نيبور) 324 سطراً، 12 مقطعاً.
4. مرثية مدينة الوركاء 400 سطراً، 12 مقاطعاً.
5. مرثية مدينة أريدو 280 سطراً، 8 مقاطع.
6. مرثية تخريب مزار لكش 105 مقاطع.
ومن ضمن ذلك لدينا (لعنة أكد) التي يعتقد أنها استعملت مرثية إلى أكد أو لغة شكوى( )، وكذلك لدينا مرثية (مردوك) حول تدمير مدينة بابل، التي وجدت في اللوح الرابع من أسطورة (ايرا)، والتي نُظِمَتْ في نهاية الألف الثاني ق.م( ).

تأريخ مراثي المدن ومناحاتها:
افترض الباحث (جاكبسون Jacobsen) بأن مصطلح BALAG ( ) ربما يشير إلى رثاء المدينة( ) بينما ذهب الباحث (هالو Hallow) إلى أن ER التي لها معنى أدبي، وهو (الدمع) أو مرثية، يمكن أن تكون بهذا الإطار( ) حيث تساوي المعاجم بين كلمتي ER
و BALAG بوصفهما مصطلحين مرتبطين بأدب المراثي( ) كما ورد مصطلح
ER-SIZKUR في النصوص السومرية الإدارية بمعنى: صلاة الدموع أو صلاة الرثاء أي مرثية( ).
ويعود زمن تدوين النصوص الخاصة برثاء المدن السومرية، إلى العصر البابلي القديم (2004-1595 ق.م)( ) وهو العصر الذي شهد نهاية اللغة السومرية كلغة رسمية للبلاد( ).
كما أن معظم نصوص الرثاء قد اقتبست من اللغة السومرية، وإن قسماً منها كان يتلى بالسومرية، وخاصة في العصر البابلي القديم على الرغم من أننا نملك ما يقرب من ثمانية عشر عنواناً لمراثٍ تعود إلى العصر البابلي القديم من مجموع واحد وستين عنواناً، دوّنت في العصرين الآشوري والبابلي والحديثين( ). ومن المحتمل أن هذه المراثي قد صيغت خلال العصر البابلي الوسيط (1595-1175ق.م) الذي عُرِفَ بأنه عصر إعادة استنساخ الأدبيات الكبرى – على غرار ما كان موجوداً في العصر البابلي القديم( )، وعلى ما يبدو أن أقدم المرثيات ضمن مجاميع أدب الرثاء السومري، وحسب المعلومات المتوافرة لحد الآن هي مرثيات المدن( )، إذ يعود تأريخ تدوينها – وخاصة المرثيات الخمس الرئيسة – (أور، سومر وأور، نفر، الوركاء، وأريدو) إلى القرن الأول من الألف الثاني ق.م حيث تتعامل هذه المراثي على العموم مع سقوط إمبراطورية أور في حدود سنة 2004 ق.م، وعلى هذا الأساس فإن نظمها ربما تم خلال القرن الذي سقطت فيه العاصمة أور( ) وهذا ما سيوضح في الآتي:
إن مجموعة مراثي المدن الخمس تعطي انطباعاً وهو أن دمار سومر ومدنها هي حادثة مأساوية تركت ذكريات مرة لا تزال باقية في قلوب الشعراء السومريين، والمنشدين وعقولهم( ). فمرثية مدينة أور ومرثية تدمير أور وبلاد سومر عينتا السقوط الواضح لسلالة أور الثالثة كأنموذج تأريخي، وقد فسرت مرثية تدمير مدينة أور من قبل أكثر الباحثين كذكرى لسقوط سلالة أور الثالثة( )، ومن المحتمل أن نظمهما جاء بعد جيل أو جيلين من سقوط سلالة أور الثالثة( )، بينما يذهب الباحث (جاكبسون) إلى أن رثاء مدينة أور، وأور وبلاد سومر نُظِمَ خلال عهد الملك لبت – عشتار( ) (1934-1924 ق.م) حيث اكتملت إصلاحات المدينة في ذلك الوقت( ).
ويتضح أن مراثي نيبور والوركاء وأريدو تم نظمها خلال عهد الملك اشمي-داكان( ) وبأمر منه حيث أُدرِجَ اسمه في نهاية مرثيتي نيبور والوركاء، حين أقام الصلوات والذبائح من أجل تهدئة غضب الإله في المرثية الأولى، وعمل على إصلاح المدينة في المرثية الثانية( ).
وتخبرنا المصادر الأدبية عن وجود احتمالين بالنسبة لمرثية مدينة أريدو، الاحتمال الأول يعود إلى اشمي-داكان أيضاً استناداً إلى ترتيلة مخصصة بالإله انكي حيث يصف مشهد وليمة مع تقديم ذبائح من قبل الملك نفسه، وهنا تتشابه المصطلحات المستخدمة في تلك الوليمة مع المرثية التي ربما تصور الخلفية التعبدية لهذه الترتيلة من خلال التقديم لمرثية أريدو( ). أما الاحتمال الثاني فهو موجه لحكم نور-أدد( ) الذي أعاد بناء زقورة أنكي( ) في مدينة أريدو، استناداً إلى كتابة على الآجر للملك نور-أدد مكرسة لمعبد انكي في مدينة أريدو، حيث يُذكر فيها أن المعبد كان لفترة طويلة مدمراً( ).



تركيب المرثية:
تتكون المرثية من سلسلة مقاطع، كل مقطع منها يدعى KI.RU.GU باللغة السومرية، ويتضمن نصاً مستقلاً يختلف في عدد أبياته عن المقطع الآخر، وفي بعض الأحيان يُستعاض عن كلمة KI.RU.GU برسم خط أفقي يفصل بين وحدة وأخرى، كما نجد أن مصطلح KI.RU.GU يكون نادراً في المرثيات التي تعود إلى الألف الأول ق.م، إذ أستعيض عنه بالخط الأفقي، ويعرف المقطع المفصول بهذا الخط في كل من الترتيلة والمرثية
باسم gisgigal ( ).

KI.RU.GU:
وهو مصطلح سومري أستخدم في النصوص الأدبية، ويرادفه بالأكدية seru، بمعنى: أنشودة أو ترنيمة، وأحياناً يعني: مقطعاً واحداً من ترتيلة أو أغنية( )، ومن خلال ذكره في نصوص الرثاء الواردة لدينا غالباً ما يرد في نهاية المقطوعة الشعرية متبوعاً بعدد وبالعلامة الدالة على الأعداد الترتيبية kam ( ).
ويظهر KI.RU.GU كعنوان بارز في المراثي، وقد ترجم عرفياً بـ(أغنية) مثل العديد من المصطلحات التقنية للموسيقى والشعر السومري؛ لأن مصطلح KI.RU.GU نجده في القوائم المعجمية ذا علاقة بالأغاني، حيث إن المرادف الأكدي هو
ki-su ki-du12 ( )، وحسب رأي الباحثة (كرين Green) فإن KI.RU.GU يعني: التوقف المؤقت في نهاية المقطع الواحد، وهذا التفسير يشتق بوضوح من أثر المقطع KI في KI.RU.GU، وذلك وفق تحليل المقطعين KI و RU.GU ( ).
وقد افترض الباحث (فلكنشتاين) معنى آخر يمكن أن يفهم منه كفعل طقسي يتمثل بالركوع او الانحناء (وهو طقس ديني يرافق النص المُنشد) مثل حني الرأس خضوعاً أو تحية، او الجثي على الركب، كما أن القراءة Ki-sub-gu تعني: انحناء الرقبة من قبل الممثلين أو سلام للجمهور( ).
لا توجد إشارة إلى أن مصطلح كيروكو KI.RU.GU قد اقتصر استعماله في ميدان أدبي معين، فلقد وجد في أنواع مختلفة من التراتيل، وكذلك في نصوص BALAG كما كانت كل مراثي المدن المعروفة مقسمة إلى مقاطع KI.RU.GU إلا أن عدد هذه المقاطع وحجمها كان مختلفاً( ).

Gisgigal ( ):
يكتب عادة gis-ki-gal أو gis-gi4-gal، وهو مقطع يتكون من سطر واحد، أو سطرين، أو ثلاثة أسطر، ويفسر عادة بـ اللازمة التي تتخلل الـ KI.RU.GU او تلخص محتواه حيث تأتي في نهاية مقطع الأغنية كعبارة توضيحية( )، كما تستخدم في التراتيل والمراثي، وتعني حرفياً: (وحدة)( )، ولم يكن بالإمكان فهم أهمية المصطلح، إلا أن المرادف الأكدي: mihru ( ) مشتق من جذر يعني: يعاكس أو يعارض، ويبدو أن gis-gi-gal لا يتبع قواعد ثابتة في المراثي إذ إن KI.RU.GU يفوقه أهمية( ).

المميزات العامة:
تثير المآتم والهزائم والكوارث مجموعة عظيمة من الصرخات والآهات والشكاوى، تتواتر بشكل يؤدي إلى خلق نوع أدبي خاص، وهو المراثي والمناحات. ويعد تدوين أدب الرثاء إحدى مزايا البراعة الكتابية في بلاد الرافدين. وإن استعمال مصطلح الرثاء في سياق رثاء المدينة قد تم تأشيره من قِبَلِ الباحث (كريمر Kramer) الذي يعد أول من أعطى العنوان الحديث للرثاء، عند نشره لرثاء تدمير مدينة أور( ).
وقد تتشابه المراثي من حيث الشكل العام؛ لأن جوهر الموضوعات كان مستنداً إلى قاعدة أساسية شاعت في كل المراثي، مما جعلها متشابهة نوعاً ما، ومع هذا فهناك اختلاف في المضامين؛ لأن لكل مرثية ميزاتها.
إن مراثي المدينة مميزة جداً في الموضوع، ومبطنة بالمحتوى بصورة مشتركة، وهناك عدة مواضع أو أركان جوهرية رئيسة إن صح التعبير يمكن تمييزها في المراثي، وهي:
1. إن الموضوع الأكثر بروزاً هو تدمير المدينة كلها بما فيها من: الأسوار، والبوابات، والمعابد، والمواطنين الملوكية، والنبلاء، والجيش، ورجال الدين، والعامة من الناس، والغلال، الطعام، القطعان الماشية، والقرى، والقنوات، والطرق، والطقوس، والعادات. ويمكن أن نصف المدينة المدمرة بإيجاز فنقول: إن الحياة فيها معطلة. وتحدد المرثية مسؤولية التدمير، والويلات، والنكبات كالجوع، والبرد، وتخريب الحقول، والخوف، والتشرد، وسفك الدماء( ).
2. الموضوع الثاني المشترك هو أن النهاية التي جاءت على سومر بوساطة فعالية قرار الآلهة في الاجتماع، الأقوام الغازية، وإن اختلفت أسماؤهم، العاصفة المدمرة، كل الأرض أصابها الدمار بوساطة (كلمة الآلهة)( ).
3. الموضوع الثالث يتركز حول هجر المدينة من قِبَل الإله والناس. إذ المرثية توبخ الإله على الهجر القاسي، والإلهات الإناث في مناجاة للنفس طويلة أو قصيرة تلتمس إما مع قرينها الآلهي، أو الإله أنليل، أو إلى مجلس الآلهة ليظهر الرحمة ورقة القلب، وفي النهاية يعود الإله الرئيس إلى مدينته مع جماعته الكاملة؛ لأن عودة الآلهة لا مفر منها في كل الحالات( ).
4. الموضوع الآخر يتضمن تضرع الناس بقلوبهم وعقولهم لأن يعيد الإله الأمور إلى نصابها بعد أن يضع حداً للدمار، ويمنع وصوله إلى معابد ومدن أخرى، وهذا يؤكد خصوصية الإله وقيادته، وعلى الإنسان أن يتفهم سطوة الإله، ويدرك حقيقة مكانته بوصفه إلهاً مسيطراً يتصرف بمقاليد البلاد( ).
5. الجزء الأخير المشترك هو أن مراثي المدن تذكر أو تفترض الإصلاح لهيكل المدينة وتتوجها الصلاة الختامية إلى الإله ذي العلاقة الذي يعود إلى مدينته، واللعنة ضد العدو( ) وهنا سؤال يفرض نفسه وهو هل كانت هناك علاقة بين مراثي المدن، وفي أي عصر شاعت؟ ومن هم ناظموها؟ ومن الذي كان يقوم بأدائها؟ ومن يكون حاضراً أثناء ذلك؟
لا يبدو أن هناك معلومات تجيب عن هذه الأسئلة في الوقت الحاضر، ولكن باستطاعتنا أن نستنتج أن مراثي المدينة كانت تشكل نمطاً أدبياً سومرياً وطنياً له بعد تأريخي يستند إليه؛ نتيجة للدمار والخراب الذي طبع في النفوس، فحفز الشعراء بأن يكتبوا لنا المراثي على ألواح الطين، وهذا ما سنلاحظه في التفصيل الآتي( ).

أولاً: البعد التأريخي:
تعد نصوص مراثي المدن من المصادر التأريخية المهمة، إذ أن تصوير الدمار فيها ما هو إلا محاولة تأريخية صحيحة لمعرفة ما حدث خلال التدمير، ولإعادة بناء الحوادث التأريخية استناداً إلى ثبت المدن والمعابد المدمرة التي ذكرت في المراثي( )، كما أن الغزاة الأجانب الذين ذُكروا في هذه المراثي يمثلون أعداءً تقليديين لبلاد سومر، وإن التركيز على ذكرهم من قِبَل الشاعر ربما كان لاستذكار حالة التحضر السومري مقابل الواقع المتخلف والهمجي الذي يعتمده الأعداء أسلوباً في التدمير والتخريب، وهو ما ميز أقوام الجبال الشرقية القادمين من مملكة الموت، والتي غزت أرض الحياة، ومن أمثلة الأقوام الغازية، أقوام
(سو Su)( )، وعيلام( ) في مرثية مدينة أور كما وذكر السوباريون Subir ( ) والعيلاميون والكوتيون( ) وانشان( ) في مرثية أور وبلاد سومر، وذكر قوم تدنوم Tidnum ( ) في مرثية نفر وأور وبلاد سومر، أما في مرثية مدينة الوركاء فقد جاء ذكر الكوتيين والسوباريين أيضاً، وأخيراً جاء ذكر السوباريين وأقوام سو وعيلام في مدينة أريدو( ).
وتعد هذه المراثي (تأريخية) بسبب إشاراتها الخاصة إلى شخصيات وأحداث تأريخية من خلال ذكر أسماء الملوك الذين قاموا بعملية إعادة بناء المدينة، والمعابد المدمرة التي تشير إلى حقيقة تأريخية مهمة من حيث تحديد تأريخ النص( ).
ومن المحتمل أن كل مراثي المدن الفت في نهاية القرن الذي شهد نهاية عصر سلالة أور الثالثة( ) حيث تتعامل هذه المراثي مع تدمير مدينة أور حوالي 2004 ق.م التي أشارت إلى سقوط سلالة أور الثالثة، وكذلك تدمير مدينة نفر (نيبور) المدينة الدينية للسومريين التي تبعت سقوط إمبراطورية أور الثالثة( ). وقد جاء ذكر الملك اشمي-داكان ملك ايسن في مرثيتين، هما مرثية نفر، ومرثية الوركاء استناداً إلى شواهد داخلية لذلك الملك في ايسن( ).
لقد سجل السومريون هذه الحوادث للتأريخ في أكثر من مكان على رُقُم الطين، ونظم فيها شعراؤهم قصائد رثاء( ) توصف عملية الاكتساح والتدمير الذي حل ببلاد سومر إلى جانب هجر المدن الرئيسة من قبل آلهتها الحامية( )، ولعل هذا التداخل الجغرافي يمثل أحد المحاور المعلنة لمراثي المدن فضلاً عن الحدث التأريخي مع اختلافات شخصية في التركيز والتفصيل، فعلى سبيل المثال إن رثاء تدمير مدينة أور لم يركز اهتمامه على أور فقط، بل يصف بصورة عامة كل التدمير الذي أصاب بلاد سومر، بينما مرثية أور وبلاد سومر وأكد تفصل الدمار الحاصل لكل المدن السومرية مدينة بعد مدينة، بينما تتعقب مرثية مدينة أريدو طرق الدمار من انكسار بوابة أريدو الرئيسة إلى الأحياء السكنية إلى المعبد إلى داخل الحرم المقدس( ).

ثانياً: البعد الديني:
هناك طرق عديدة يجد الإنسان فيها نفسه مرتبطاً بطاعة مطلقة مع (الإله)، وبوفاء غير مشكوك فيه مع القوة الخارقة التي تحكم الكون، وتقرر الخلاص الإنساني من خلال احتياج الإنسان إلى الطمأنينة التي لم تكن مطلقة في الحياة، فعندما تسقط المدن، وتسلب، ويقتل سكانها أو يؤخذون أسرى، يواجه الناس الانهيار الكامل لعالمهم من خلال الحقيقة المرعبة، إنهم أصبحوا مهجورين من قبل آلهتهم، ويبقى معنى واحداً لا يزال في أيديهم هو (النواح) على المدينة وعلى المعبد، وهذا يمثل حقيقة مركزية للطقس السومري والشعر الديني السومري( ).
فالمراثي تعد نموذج خاص من الصلاة لأنها صلاة تعبدية ألفت في هذا الإطار، فعندما ينقل تمثال الإله أو عند بناء معبد جديد تنشد هذه المراثي، على اعتبار أن الآلهة أو القوة المقدسة كانت تقيم في المدينة وهي حامية لها، وأن عملية إصلاح المدينة والمعبد وعودة الإله إلى بيته (مكان إقامته)، كل هذا كان يتم باحتفال ديني وولائم وتقديم ذبائح.
وهناك احتمال كبير أن المرثية قد انجزت عند بداية أعمال الإصلاح( )، ويشكل المقطع الأخير لكل المراثي صلاة تناشد العاصفة وتأمرها بالذهاب بعيداً، وتتمنى هذه الصلاة قهر الأعداء، وتكتمل باستمرار الإزدهار للمدينة، ويمكن أن نتصور أن كل هذا كان يقام داخل معبد الإله( ).

ثالثاً: البعد الأدبي:
تعد النتاجات الأدبية صورة واضحة لإبداعات الشعراء والأدباء عبر العصور( )، ويتوضح ذلك من خلال مدوناتهم التي تعبر عن واقع حياتهم ومعاناتهم، التي عكسوها بالتشبيهات والنعوت المختلفة ، والمستخلصة من تجربتهم الأدبية التي تعد حصيلة شعب بأكمله( ).
لقد عرف الرثاء في الأدب كنمط إبداعي أدبي وفني عبر عنه الشاعر بعد أن هزته مأساة الدمار الذي لحق بالمدينة والمعبد، فركز عليهما وعلى من يعيش بهما، رابطاً بين مفاهيم الشرق القديم للمدينة كمركز قوة سياسية ودينية ( ) مما جعل ذكرى الدمار الذي لحق بالمدن تبقى في الملاحم والمناحات لأجيال عديدة.
إن البلاغة في النصوص الأدبية المتمثلة بضروب المجاز والاستعارة نراها واضحة في مراثي المدن، وهي تبدو انعكاساً لتجربة قد مرت بها المدينة من كوارث حقيقية في أوقات معينة( )، فهناك استعارة رمزية للطبيعة، مثل التحذير من إثارة العواصف المدمرة، ومن رؤية عواصف الغبار والحرارة، ومن العاصفة الممطرة الهوجاء لمناخ بلاد الرافدين، التي يعتقد أنها كارثة طبيعية أرسلها إله العواصف، وكان إله النار ظهيراً له في دفعها إلى أقصى مداها( )، كما وجدت تعابير تشبيهية للأسلحة (الساقطة مثل المطر)، والتي يصحب سقوطها على المهاجمين حدوث دوي وَجَلَبَةٍ، كل هذه الحوادث تشير إلى التخريب الذي انقض على بلاد سومر من قِبَلِ الغزاة ، كقوة جسدية، وعامل دمار وجهته الآلهة لتطبيق قرارها( ).
كما أن هناك المجاز والاستعارة الحيوانية المشتقة من مختلف الحيوانات البرية والمائية التي أدخلت تشبيهات رائعة على أدب رثاء المدن.
فكانت النعجة رمزاً للخضوع بوصفها من أخضع المواشي حين الذبح، كما تبين من خلال مرثية مدينة أور، وهي تشبه سكان أور بالنعاج المعدة للذبح. وفي مرثية أور وسومر نقرأ أن الإله (ننا) ساق بعيداً أعداداً من أناسه كالنعاج( )، كما تبعث صورة الماعز (الأم) التي هلك جديها بين المواشي تخيلاً ملائماً لحالة الحزن في المراثي( ).
أما الثور فإن ظهوره في التشبيهات البلاغية الأدبية السومرية حقق العديد من المعاني، فخُواره في مربطه مثلاً كان رمزاً للازدهار، كما جاء في مرثية أور وسومر. ولما كانت صورة امتلاء الحضائر بالمواشي والأغنام عنواناً للخصب والازدهار لذا فإن معكوس هذه الصورة كان عنوان جدب المدن وخرابها، كما ظهر في المرثية نفسها أن ثيران سومر لم تعد تقف في مربطها( ) وحينما تصف المراثي جدب المدن المنكوبة تصور الثور الوحشي، وقد هجر مربطه، كما جاء في نص مرثية مدينة أور( ).
وعُرِفَ العصفور في الأدبيات السومرية من خلال التشبيهات البلاغية رمزاً للانطلاق حيث وُصِفَ ملك أور (أبي-سين) في مرثية أور وسومر وهو يبعد عن وطنه بالعصفور الدوري، (الملك أبي-سين جُلِبَ إلى بلاد عيلام مثل عصفور قد طار من عشه ولم يرجع)( ).
وتُصور مرثية مدينة أور حالة توجع المدن المدمرة (ورجالها) كالغزالة التي قُضِيَ عليها بآلة صيد( ).
كما أن الثعلب في مراثي المدن جاء رمزاً للدمار؛ وذلك لأن المدن المدمرة لا تصبح محط أنظار الثعالب فتهجرها( ) كما جاء الثعبان في أدب رثاء المدن رمزاً للدمار والجدب، حينما تصور المدن المدمرة وهي مرتع الثعابين كما ورد في مرثية أور وسومر( ).
أما الأسماك فربما كانت في الأدب السومري رمزاً للحياة، ولذا فإن انتزاع الحياة منها عد رمزاً للفناء والدمار والجدب أيضاً، ونستطيع أن نلمح هذا الرمز في مرثية مدينة أور، (الشباب في أحضان أمهاتهم كانوا مثل السمك المبعد عن الماء)( ).
ويمكن تعقب الأصل الأدبي لمراثي المدن بعيداً إلى زمن الملك اورو-انمكينا في القرن 24ق.م حيث ذُكر ثبت من المعابد والمزارات الخاصة بمدينة لكش التي حُرقت أو سُلِبَت، وبعبارة أخرى دُنِّسَت من قِبَل الملك لوكال زاكيزي ، وهذا يعد الخطوة الأولى في خلق ميدان المرثية الأدبي. وقد ابتكرت مراثي المدن كاستجابة أدبية للكوارث والمصائب التي عانت منها سومر في بداية الألف الثاني ق.م مباشرة بعد سلب العاصمة أور في أيام آخر ملوكها (ابي-سين)( ).
وتظهر هذه المراثي من وجهة نظر أدبية إلى استعمال بارع للغة السومرية القديمة، مما أدى بالنتيجة إلى أن يصبح رثاء المدن (شعبياً) في الآداب السومرية، في أواخر الألف الثالث ق.م، وأصبح جزءاً من المنهاج الدراسي للنساخ في المدارس النسخية البابلية القديمة من خلال اختياره بكثرة وبصورة عامة لتمارين الطلاب في زمن حمورابي( )، وقد أخذ هذا يتلاشى في الألف الأول ق.م( ).

رابعاً: البعد الوطني:
هناك تحديات كبيرة واجهها العراقيون القدماء عبر العصور، تطلبت تضحيات لدرء تلك الأخطار ، وعلى الرغم من تلك التحديات وكثرتها استطاعت حضارة بلاد الرافدين الصمود والبقاء( ) مستلهمة الدروس والعبر، ومستذكرة أحداث الماضي، ومستفيدة منها في تذليل أيام المحن والتغلب عليها، لاستشراق نظرة مستقبلية تلفت النظر إلى الأخطاء التي قد يتمكنون من تلافيها. وكانت هذه الحقيقة الحجر الأساس الذي أستخدم للنهوض بمسيرة المجتمع من جديد، وتجاوز الأزمات التاريخية عبر توحيد الصفوف، وطرد الغزاة، وإعادة الحكم الوطني( ).
إن ذكرى الدمار في قصص الملاحم والمناحات بقيت لأجيال عديدة، والى جانب ذلك كانت مراثي المدن والبلاد تعبر عن الوحدة الوطنية المنشودة، والتي كانت الشكل الطبيعي للحياة السياسية في بلاد الرافدين، أما التجزئة الحادثة في بعض الحقب الزمنية فما هي إلا الشكل الشاذ لحكم البلاد( ). وبهذا فإن رثاء المدينة قد شكل نمطاً أدبياً سومرياً واضحاً( )، لأن هذه المراثي تعبر عن حزن الشاعر الكامن تجاه معاناة شعبه من خلال تفصيل الخيال المبدع في التعبير عن سقوط المدن والدول وخرابها( ).
وأن هذه النتاجات الأدبية الرائعة تكون ما أسماه الأستاذ (هالو Hallow) بالشعر الوطني national poetry ( )، والدليل على ذلك أن رثاء المدن كان شعبياً في الآداب السومرية في أواخر الألف الثالث ق.م، وقد اختير بكثرة وبصورة عامة لتمارين الطلاب في زمن حمورابي( ).
إن استجابة السومريين للانقضاض كما وصف في المراثي، والذي تبعه رعب عام وهروب، كان نتيجة الضعف البشري إزاء الغضب الإلهي، إلا أن الوضع بفقدان الأمل لم نجد له صدى في هذه المراثي، فهم بجانب نواحهم على كارثة سومر، والتماسهم الرحمة والفرج إلا أن الفكر السياسي السومري الذي أوضحته المراثي كما في الآداب السومرية المتنوعة قد ركز على عمل الحاكم لاستعادة رضى الآلهة من أجل تحقيق السلام والازدهار في البلاد.
فالشعر الملكي الموجه إلى مجموع الآلهة، والإنجازات الملكية لإعادة بناء سومر، واقناع الآلهة الحامية بالعودة إلى منازلها، كل ذلك كان لمباركة شرعية الملك الحالي، ولكسب رضا الآلهة والشعب معاً( ).

خامساً: غناء المراثي في المناسبات:
تضم النصوص المسمارية المتعلقة بالتراث الغنائي في العراق القديم مجموعتين كبيرتين هما:
أ. الأغاني والتراتيل في مدح الآلهة والملوك.
ب. المناحات والمراثي الغنائية.
ففيما يخص الأغاني والتراتيل فقد استطعنا أن نعرف أسماء ألحانها فقط؛ وذلك من خلال العادة السومرية في كتابة نصوص الأغاني والأناشيد إذ كانوا دائماً يذكرون اسم اللحن الذي يجب أن تغنى به الأغنية في نهاية النص. أما المناحات فقد كانت تنظم دون ذكر اسم اللحن الذي يجب أن تغنى به، وقد قسمت النصوص الغنائية من حيث التركيب والبناء إلى أربعة أنواع، والذي يهمنا في هذا الموضوع هو النوع الثالث الذي هو عبارة عن تكرار مقطع شعري في عدة أماكن من القصيدة، وقد أشير إلى مرثية سقوط مدينة أور كمثال لهذا النوع( ) حيث ورد فيها على سبيل المثال ما يأتي:
الإله ننار قد هجر مدينة أور
فأصبحت حضيرته فارغة
زوجته (كارشان-كال) قد هجرت بيتها
فأصبحت حضيرته فارغة
الثور في مدينة أريدو قد هجر بيته
فأصبحت حضيرته فارغة
لقد تركت كارثة تدمير مدينة أور آثاراً عديدة في أغاني المعبد لبلاد سومر، فكتب الصلوات الخاصة بمدينة نيبور احتوت على مراثي أخرى لسقوط مدينة أور( )، كما أن ندب الإلهة (ننكال) على هدم مدينة أور قد رفق بالموسيقى حيث أشير إلى ذلك في
البيت (86) القائل: ((السيدة، بعد أن طرحت عود الأغاني الشعبية أرضاً من أجل حزنها))( )، كل هذا يؤيد أن مرثية مدينة أور كانت تُنشد على أنغام الطبل أثناء تهديم بقايا جدران المعابد المدمرة، ورفع أسسها، ووضع اللبنة الأولى من حجر الأساس من أجل استرضاء إله المعبد وتهدئته ، لأن النياح يعد جزءً من التقدمات المقدمة للإله( )، فقد كان الربط المؤثر في الإحساس بين الإله والمعبد قوياً، فاستعطاف الإله بوساطة موسيقى القيثارات ربما يعيد قوته إلى العقل، القوة لإعادة بناء ما قد خرب( ). لقد اتصفت المرثيات على العموم بأن منشدها هو كاهن ((كالو)) بمصاحبة مجموعة من المنشدين على أنغام آله بالاك BALAG ( ).

1. مرثية مدينة أور( ):
تعد هذه المرثية من أقدم المراثي التي وصلت إلينا حتى الآن، ويعود زمن تدوينها إلى العصر البابلي القديم (2004-1595 ق.م) ، ويرقى زمن أقدم نسخ لنصوصها إلى عهد الملك السابع من سلالة بابل الأولى سمسو – ايلونا (1749-1712 ق.م) وقد انتظمت في 436 بيتاً شعرياً (سطراً) مُقسمة إلى أحد عشر مقطعاً (بالسومرية KI.RU.GU) وهي متباينة في عدد أبيات مقاطعها، ويُفصل المقطع الواحد بوساطة خط يتألف من سطر أو سطرين( ).
جُمِعَ نص المرثية الكامل من نحو اثنين وعشرين رقيماً، وكسرة رقيم، وكان اكتشاف معظم هذه الرقم في مدينة نفر (نيبور)، حيث قامت جامعة بنسلفانيا بالتنقيب في هذا الموقع قبل قرن ونصف من الزمن، عدا رقيم واحد جاء من مدينة أور( ).

الحدث التأريخي:
يعد سقوط سلالة أور الثالثة واحداً من الأحداث السياسية البارزة في تأريخ بلاد الرافدين، وذلك بسبب النهاية المأساوية التي آلت إليها هذه السلالة( ). وقد وقع ذلك الحدث في سنة 2004 ق.م حيث سقطت العاصمة أور على أيدي العيلاميين والأموريين( ).
ولم يكن سقوط تلك السلالة مفاجئاً، فالشواهد الكتابية والتأريخية تشير إلى أن سلالة أور الثالثة في عصر ملكها الأخير أبي-سين واجهت ضغوطاً سياسية، واقتصادية، وإدارية بالغة الخطورة كان لها أثرها الواضح والفعال في انهيارها والتي قدر لها أن تكون آخر دولة سومرية حكمت في بلاد الرافدين( )، وكانت بوادر الانهيار واضحة من الأحداث الداخلية المتمثلة بفقدان السلطة المركزية، وتفكك أرجاء الامبراطورية، فالولاء للملك أبي-سين لم يستمر طويلاً، إذ تمرد عليه عدد من الموظفين والمقربين إليه مثل اشبي-ايرا( ) الذي استقل في آيسن( ) ونصب نفسه حاكماً على البلاد. وهكذا استغل العيلاميون والأموريون هذا الاضطراب، وانقضوا على العاصمة أور في هجوم شامل، ونهبت أور، وأُخِذَ آخر ملوكها أبي-سين أسيراً إلى عيلام في حدود 2006 ق.م. إن سقوط أور يعد إحدى نقاط التحول التأريخية الكبيرة في العراق القديم، فهو لا يعبر عن سقوط امبراطورية وحسب، بل ويؤشر أيضاً النهاية السياسية للسومريين ( ) ويعني انهيار أول دولة إقليمية مركزية في تأريخ بلاد الرافدين( ).
كما كان للعامل الاقتصادي دور مهم وفعال فيما آلت إليه دولة أور الثالثة بشكل خاص، والسومريون بشكل عام حيث اجتاحت قبائل المارتو( ) البلاد، واستولت على الحقول والأراضي الزراعية، وقطعت طرق المواصلات المؤدية إلى العاصمة، كما أن ازدياد الملوحة في السهل الرسوبي، وارتفاع مستوى الطمى في أنهار الرافدين( )، تسبب في ارتفاع الأسعار ارتفاعاً فاحشاً، ونتيجة لما ذكرناه حدثت كارثة المجاعة.
تركيب المرثية:
كان تدمير مدينة أور، وقتل أهلها، قدرٌ قرره الإلهان العظيمان آنو( ) وانليل( ) رغم توسلات إلهة المدينة ننكال( ) نيابة عن زوجها الإله ننا( ) لدرء الخطر عن المدينة، إلا أن تلك التوسلات لم تخفف من شدة غضب الإلهين اللذين حكما بدمار شامل على أور.
تبدأ القصيدة بذكر الآلهة الذين هجروا مراكز عبادتهم بعد أن تحسسوا بقرب وقوع الكارثة، وقد عبر الشاعر بأسلوب مجازي عن صورة المعابد المهجورة حينما وصفها بالإسطبلات أو الحظائر والمتعبدين بالقطيع( )، ويرجح بعض الباحثين أنها مقطوعة أو أغنية كُتِبَت بلهجة EME-SAL ( ). وأن الذي يتلوها كاهن الـ (Kalu) ( ) تتبعه مجموعة من المنشدين تردد لازمة البيت الشعري (حضيرته تُرِكَت للريح)( ).
1. هَجَرَ الثور البري حضيرته، فتبعثرت مع الريح.
2. سيد جميع الأراضي هَجَرَ (اسطبله) ، (حضيرته) تُرِكَت للريح.
3. هَجَرَ انليل نيبور، حضيرته تركت للريح( ).
وكُتِبَت الأغنية الثانية بلهجة EME-SAL أيضاً وهي مخصصة لرثاء مدينة أور ومعابد المدن المختلفة التي أصابها الدمار، كما أن لازمة الأغنية (رثاؤك مر ايتها المدينة) كانت أشبه بنداء النحيب، ونجد مشاركة إله المدينة (ننا) الذي خُرب معبده حزن أهلها ، وكيف دمرت العاصفة التي هبت بأمر الإله انليل (إله العاصفة) المدينة. وقد استخدم الشاعر العاصفة كناية عما قام به الأعداء، مما جعل الناس ترتجف رعباً من ذلك اليوم الرهيب حتى أضحت المدينة تبكي وتصرخ( ):
40. رثاؤك مر أليم أيتها المدينة.
43. مدينة أور التي دمرت، رثاؤها مر.
48. آه يا أور المشيدة بالآجر، رثاؤك أليم، الحزن حل فيها.
49. آه يا مدينة الأسوار العالية، لقد هلكت أرضك( ).
ثم تبدأ الأغنية الثالثة بوصف خراب المدينة، ومعبدها الرئيسي معبد الإله ننا، وكيف بكاها أهلها وشاركتهم حزنهم الآلهة ننكال ، وهي تندب مدينتها التي اتخذت الآلهة قراراً سماوياً بتدميرها، ونقتطف من مقطعها الأسطر الآتية:
77. سوية مع الإله الذي هوجم بيته، مدينتي أسلمت للدموع.
96. في الليل مرثية مرة تولدت في داخلي.
97. لم أهرب أمام عنف تلك الليلة.
99. دمار العاصفة التي تشبه الإعصار، حقاً ملئني رعباً.
104. أرضي لم تحرر من الخوف.
105. لأنه في مدينتي كانت مصيبة مريرة.
106. أنا كطير السماء أضرب جنحي.
107. والى مدينتي أطير.
108. مدينتي على أسسها دمرت.
109. ستفنى أور في مكانها( ).
في الأغنية الرابعة نجد الإلهة ننكال تسعى بائسة لدفع الكارثة عن مدينتها، وهي تنوح أمام الإلهين آنو وانليل، اللذين أمرا بتدمير مدينة أور، وهي مصرة في الوقت نفسه على عدم هجر مدينتها، ولكن التماسها رُفض، وصدر القرار الحاسم:
140. بعد أن أعلنوا الدمار التام على مدينتي.
142. بعد أن أمروا بقتل أهلها.
143. في ذلك اليوم لم أهجر مدينتي.
145. إلى الإله أنو أسكب ماء عيني، أنا يقيناً أفعل.
146. والى الإله انليل، أنا بنفسي تضرعت.
147. لا تدع مدينتي تدمر ، يقيناً أنا قلت هذا.
148. لا تدع سكانها يقتلون، يقيناً أنا قلت هذا.
149. يقيناً، الإله أنو لا يغير كلمته.
162. الدمار التام لمدينتي أمروا به.
164. وسيفنى أهلها وفق المصير الذي قرر( ).
وتواصل الأغنية الخامسة وصف المأساة التي حلت بالمدينة؛ نتيجة العاصفة التي أمر بها الإله انليل، وهي سلاحه التقليدي الرهيب، وتردد الجَوقَةُ لازمة البيت (والشعب يئن):
174. الإله انليل دعى العاصفة، الشعب يئن.
196. إنها تهاجم الأرض وتلتهمها.
197. الريح المؤذية، بالدموع لم تناشد.
198. العاصفة المدمرة تجعل الأرض ترتجف وتهتز.
201. العاصفة المدمرة لكل شيء جاءت لتفعل الشر( ).
وينتقل في الأغنية السادسة من وصف الدمار العام إلى ذكر تفاصيل ما أحدثته العاصفة التي وُجهت ضد مدينة أور وكل بلاد سومر في مقطع وصفي طويل يثير في النفس الرهبة والشفقة، فقد امتلأت الطرقات والشوارع بجثث القتلى، والناس أنهكهم الجوع، لقد تحول كل شيء إلى أنقاض ولم يَبقَ أمام الإلهة (ننكال) إلا أن تترك مدينتها وهي تصرخ ((وامعبدي، وامدينتي، وابيتي)) أور تحطمت وشعبها اختفى.
العاصفة الغاضبة هاجمت بلا هوادة، الشعب يئن.
213. جثث البشر مثل كسرات الفخار، كانت تملأ الطرقات.
218. الدماء أريقت مثلما ينصب النحاس المنصهر.
221. الجرحى كانوا مثل الغزالة المصادة بالشبكة، ورأسها في التراب.
223. واأسفاه، في المكان الذي تمخضت أمهم، يستلقون قتلى بدمائهم.


226. الذين كانوا يقفون بجانب أسلحتهم، قتلوا بجانب أسلحتهم، الشعب يئن( ).
227. الذي نجى منهم طرحته الريح، الشعب يئن.
228. في (مدينة) أور، القوي والضعيف هلك من الجوع.
229. الأمهات والآباء الذين لم يتركوا بيوتهم أحرقتهم النيران.
230. والأطفال في أحضان أمهاتهم، كانوا كالسمك المبعد عن الماء.
231. حكيم الأرض هلك، الشعب يئن.
232. الأم تركت ابنها، الشعب يئن.
233. الأب ترك ابنه، الشعب يئن.
234. في المدينة، الزوجة هُجِرت، والطفل تُرِكَ، والممتلكات تناثرت.
235. شعب الرؤوس السود إلى أماكن أسرهم حُمِلوا.
236. سيدتها كالطير الطائر غادرت المدينة.
242. السوتيون والعيلاميون، المخربون، الذين لا يعيرون أهمية لأي شيء كان.
244. لقد جعلوا المدينة كُتَلاً من الأنقاض.
245. فصارت المرأة تبكي على بيتها المهدم.
248. والسيدة تنعى بمرارة معبدها المهدم.
249. مدينة أور، مسكن الإله (ننا) تهديمُكَ مؤلم.
250. وليت الناس يستطيعون إعادة بنائك( ).
بينما يشير المقطع السابع إلى نحيب الإلهة (ننكال) على مدينتها ومعبدها اللذين حَلَّ بهما الدمار، وجفت أنهار مدينتها وجداولها، وخُرّبَت حقولها، أور تحطمت وشعبها مات، وتبدو المرثية هنا على شكل مناحاة النفس؛ لأن المدينة هوجمت ودمرت بلا سبب( ).
283. بناتي وأبنائي حقاً .. حُمِلوا بعيداً، يا حسرتاه على أهلي، سأقول.
284. يا لحزني، بناتي في مدينة غريبة يَحمِلن رايات غريبة.
286. يا حزني (على) مدينتي التي لم تعد موجودة، أنا لست ملكتها.
293. آه يا ننا، مدينة أور المقدسة دمرت، شعبها ميت.
294. يا لحزني، أين سأجلس؟ أين سأقف؟
295. يا لحزني، في مكان مدينتي تبنى مدينة غريبة.
301. عيناها فاضت بالدمع وبمرارة تبكي.
308. يا حسرتاه، أنا غريبة، أجلس في مدينة غريبة.
313. يا لحزني، يا قدر مدينتي (سأقول) مُراً قدر مدينتي.
314. أنا الملكة آه يا بيتي الذي دُمّر (سأقول) مراً قدر بيتي.
315. آه مدينتي تحولت إلى خرائب.
325. آه يا مدينتي التي لم تعد موجودة، مدينتي هوجمت بلا سبب( ).
كما أن الأغنية الثامنة تمثل قصيدة حزينة للإلهة الباكية في ندب المدينة من قِبَلِ الجوقة نيابة عن الإلهة (ننكال) التي لم تعد سيدة على مدينتها بعدما أصابها الدمار، ولم يعد أحد يهتم بها؛ لأن الذين حلوا بها هم غرباء عنها، وبيتها أصبح بيت دموع، وأغنيتها قلبت إلى بكاء، وموسيقاها إلى نواح إنها صلوات تشير إلى حادثة تأريخية هي بدون أدنى شك تدمير مدينة أور( ).
334. آه أنت يا ننكال، التي هلكت بلادها، اجعلي قلبك كالماء.
335. بعد أن دُمّرَت مدينتك، الآن كيف أنت؟
336. المدينة أصبحت مدينة أجنبية، الآن كيف أنت موجودة؟
337. بيتك أصبح بيت الدموع، اجعلي قلبك كالماء.
338. المدينة التي تحولت إلى خراب، أنتِ لستِ سيدتها.
359. أغنيتكِ تحولت إلى نحيب ...
360. ... الموسيقى تحولت إلى مرثية ...
369. آه يا ملكتي، المدينة تبكي أمامك لأنك أمها.
370. مدينة أور كطفل زقاق مدمر يبحث عن مكان أمامكِ.
372. آجر البيت الصالح يبكي كمخلوق آدمي( ).
381. ليَقُل الإله أنو ملك الآلهة لكِ ((ذلك يكفي)).

384. ليعيد مدينة أور إلى مكانها، لتكوني ملكتها( ).
الأغنيتان التاسعة والعاشرة معاً تُعنيان بالتماس ننا، بأن لا يسمح للعاصفة أن تكتسح أور وشعب الرؤوس السود، تلك العواصف المحزنة، المدمرة التي أزالت كل شيء، والتي لم تفرق بين الأم والزوجة والأخ.
388. يا حسرتي (على) جميع الأعاصير سوية، انهالت على البلاد.
390. العاصفة المحزنة التي ملأت البلاد.
395. العاصفة التي تُزيل كل ما هو خير من البلاد.
400. العاصفة التي لا تعرف الأم، ولا تعرف الأب.
403. العاصفة التي لا تعرف القوي، ولا تعرف الضعيف.
404. العاصفة التي جعلت البلاد تهلك.
411. لتنتهي كلياً تلك العاصفة( ).
وتنتهي القصيدة بالمقطع الحادي عشر الذي يشتمل على صلاة إلى ننا؛ لإعادة أور وشعب الرؤوس السود إلى موقعهم الأصلي المناسب، ويبدو أن أور عادت إلى سابق عهدها، وعاد إليها أهلها وإلهها (ننا) الذي خصص له التمجيد والتعظيم.
419. آه (يا) ننا الفقير الذي سلك سبيلك.
420. جلبوا إليك دموع بيتهم المهزوم، أمامك بكاؤهم.
421. تماماً شعبك شعب الرؤوس السود، الذين طردوا بعيداً، يلقون بأنفسهم إليك.
422. حقاً مدينتك التي تحولت إلى خراب ترسل صرخة إليك.
423. آه يا ننا لتعد مدينتك التي عادت إلى مكانها تقف بمجد أمامك.
434. آه يا ننا مدينتك التي عادت إلى مكانها لتجدك( ).

2. مرثية أور وبلاد سومر وأكد:
تعد هذه المرثية أكثر شمولاً من المرثية الأولى، لكونها تشمل رثاء مدينة أور بشكل خاص، وبلاد سومر بشكل عام، وكما تعد على قدر كبير من الأهمية؛ لكونها تلقي الضوء على ما وصل اليه الأدب في حضارة بلاد الرافدين ، فضلاً عن أهميتها في إلقاء الضوء على بعض الجوانب الخاصة بالمعتقدات الدينية، والاجتماعية، والسياسية السائدة في ذلك العصر( ).
تنتظم هذه المرثية في 518 بيتاً تقريباً، مقسمة على خمسة مقاطع KI.RU.GU ( ) وقد دُونت على أكثر من ثلاثين لوحاً غير كاملة ، نُشِرَ عدد غير قليل منها بين الأعوام 1914 و 1944 ( )، وكان الباحثون سابقاً يقسمونها خطأ على جزأين، الأول وموضوعه رثاء الملك أبي-سين واقتياده أسيراً إلى بلاد عيلام، والثاني وصف بلاد سومر وأكد. ولكن الاكتشافات الحديثة للرقم الطينية، والتي أكملت أجزاء المرثية أكدت بأنها تؤلف قطعة أدبية واحدة( ). ومعروف لدينا السبب الذي كُتِبَ من أجله النص، ألا وهو سقوط سلالة أور
الثالثة 2004 ق.م، وتفاصيل أخرى عما حل بمدن سومر بصورة عامة على أيدي العيلاميين والأموريين، إلا أنه من الصعب تحديد تأريخ تدوينه بشكل دقيق ومؤكد، ولا يوجد أدنى شك في أن النص كان يخدم وظيفة طقسية( ) أثناء إعادة بناء المدينة، ويرجح بعض الباحثين أنه قد دُوّنَ في النصف الأول من الألف الثاني ق.م( ).

تركيب المرثية:
تختلف أطوال المقاطع بعضها عن البعض الآخر، فالمقطع الأول يتألف من 111 بيتاً شعرياً، يعد من أعقد أجزاء المقطوعة( )، ويبدأ فيه الشاعر بندب المصير المؤلم الذي قدرته الآلهة الأربعة آن، انليل، انكي، وننخرساك( ) لبلاد سومر وأكد وشعبيهما، فعطلوا النواميس الإلهية ME ( ) التي تدار بموجبها شؤون العالم، والبشر، وأعقب ذلك تدمير المدن، والبيوت، ومرابط الحيوانات وحظائر الأغنام، وجداول الأنهار، والحقول، والمراعي، ونقل نظام الملوكية إلى أرض غريبة، وتنكر الإله (ننا) لمدينة أور ومعابدها، فحدث الانهيار الكامل لهذه المدينة المشهورة بسلطتها ونسبها، كما ويشير المقطع أيضاً إلى إدخال الغزاة شعائر غريبة إليها فضلاً عن وقوع ملكها ابي – سين أسيراً بأيديهم، ونقله إلى بلاد عيلام التي لم يعد منها ، كما وقام الكوتيون بغزو البلاد غزواً أشبه بالطوفان الذي أباد كل ما يعترض طريقه؛ مما ضاعف دمار البلاد وخرابها للبلاد( )، ونقتبس من مطلع النص ما يأتي:
1. لكي يُغير الأجل المحدد، وتُلغى الخطط المقدرة.
2. تجمعت العواصف لتضرب كالطوفان.
3. لكي تغير النواميس الإلهية لسومر.
4. لتُدمر المدينة، ويُدمر المعبد.
17. ولكي يغير موضع الملوكية.
18. وتدنس الحقوق والنواميس.
19. ليسلط ويل العواصف على البلاد.
20. وتُلغى النواميس الإلهية بأمر أنو وانليل.
32. لم يعد الناس يسكنوا في ديارهم، وأنهم أسلموا للسكن في أرض الأعداء.
35. وأخِذَ أبي-سين مكبلاً إلى عيلام.
37. كالطائر هجر عشه، ولم يعد إلى مدينته.
40. تحولت المدينة وما حولها إلى خراب.
41. وذُبح العديد من ذوي الرؤوس السود.
43. وشدو الراعي في قطيعه، لم يعد يتردد صداه في الحقول.
47. وهلكت عُشر حيوانات السهب، وانتهى كل شيء حي.
52. مدينة الثور البري المهاجم اغترت بقوتها.
55. الإله أنو، انليل، انكي، ننماخ، قرروا قدرها.
56. قدرها الذي لا يمكن تغييره، من يستطيع تحويله.
58. الإله أنو أرعب سكان سومر ، الناس خائفون.
59. خلعت الإلهة (ننتو) بوابة مخزن البلاد.
60. الإله انكي سيد مياه دجلة والفرات.
61. وأبعد اوتو (الإله شمش) كلمة الحق والعدل عن أفواه الناس.
62. وسلمت الإلهة أنانا النصر في المعركة إلى البلاد المتمردة.
63. الإله ننكرسو أهدر (دم) سومر كالحليب المسكوب للكلاب.
64. الثورة حلت بالبلاد بشكل لم يعرفه أحد.
65. إنه شيء لم تَرَ العين مثله، شيء لا يمكن وصفه.
66. اضطربت البلاد من شدة خوفها.
67. وتراجع إلهها، واختفى راعيها.
68. العاصفة أخذتهم، ولم تدع أحداً منهم يعود.
73. الإله انليل أنزل الكوتيين من الجبال.
74. فكان زحفهم كطوفان انليل، لا يمكن صده.
77. إنه ليوم أسود.
78. في ذلك اليوم سُحقت أفواه، وهُشّمت رؤوس.
79. العاصفة هبطت من السماء، والمدينة كأنها خُرّبت بالمعاول.
80. في ذلك اليوم أرعدت السماء، واهتزت الأرض، واستمرت العاصفة بلا هوادة.
81. اسودت السماء بظلمة حالكة، وأصدت الجبال.
83. واختفى القمر وسط السماء، وعاش الناس في رعب.
86. الغرباء في المدينة يتصيدون الموت.
87. قُطِعَت الأشجار الكبيرة، ودمرت الغابات.
89. جثث القتلى تطفو على نهر الفرات، واللصوص يجوبون الطرقات.
90. الزوج هجر زوجته، ولم يعد يقول آه يا زوجتي.
91. الأم هجرت ولدها ، ولم تعد تقول له آه يا ولدي.
92. وفي تلك الأيام دنست ملوكية البلاد.
93. الإله ننا عامل شعبه الكبير كالأغنام.
94. ملكها جالسٌ في قصره لوحده متسمراً.
95. ابي – سين يجلس مكتئباً خائفاً في قصره.
96. إنه يَذْرِفُ الدموع بمرارة في قصره المضيء.
97. الطوفان الجارف غمر كل شيءٍ.
98. كالعاصفة الهوجاء فوق الأرض، لا أحد يستطيع الهرب منها.
99. لكي تُدمر المدينة، ويُدمر المعبد.
100. تلك المقاطعات انقلبت على رؤوس الرجال الصادقين.
101. وفاضت المقاطعات بدماء الرجال الصادقين( ).
وفي المقطع الثاني الذي انتظم في (170) بيتاً يتناول الشاعر ذكر تفاصيل الدمار الذي حل بمدن بلاد سومر ، وعددها (40) مدينة من الشمال إلى الجنوب، ابتداءً بـ(كيش) وانتهاءً بـ(أور وأريدو) في أقصى الجنوب من بلاد سومر، مع ملاحظة الدمار نفسه في كل واحدة، وما حل بمعابدها من خراب وتدنيس الذي أدى إلى أن تهجرها إلهتها وهي تنتحب عليها. وكذلك نجد وصفاً لما تعرض اليه كهنتها من قتل وأسرٍ على أيدي الأعداء( ) وفي أدناه نقتبس بعضاً من المقاطع المختارة مما قيل عن ذلك الوضع المأساوي:
117. الأم بابا( ) تنوح بمرارة (في معبدها).
118. واحسرتاه (هي) تبكي بمرارة (على) المدينة المدمرة، المعبد المدمر.


137. أم البلاد، نن-سينا( ) بكت دموعاً مرة.
163. في ذلك اليوم كانت كلمة انليل عاصفة هجومية، من يستطيع فهمها.
164. كلمة انليل دمار على اليمين، (ودمار) على الشمال.
165. هذا ما فعله انليل من أجل تقرير مصير الجنس البشري.
166. جلب انليل العيلاميين الأعداء من الأراضي المرتفعة.
175. ويل لي، انليل سلم (المدينة إلى) العاصفة.
193. أقيمَت مناحة على منصة لتصل السماء.
214. في ذلك اليوم أجبرت العاصفة الناس على العيش في الظلمة.
221. أريدو العائمة على مياه عظيمة، حُرِمَت من مياه الشرب.
239. انكي مدينتك لعنت، أعطيت إلى أرض العدو.
251. في مدينة أور لا أحد يجلب طعاماً، ولا أحد يجلب ماء.
252. ولكن من أراد الحصول على الطعام، أخِذَ بعيداً ولم يعد.
253. إلى الجنوب نحو السهوب العيلامية، هناك يقتلون.
259. مدينة أور كغزال كبير قد اصطيد، حَنَتْ رأسها على الأرض.
260. هذا ما فعله الإله انليل، الذي يقرر المصائر.
277. واحسرتاه، بمرارة تبكي (على) المدينة المدمرة (على) المعبد المدمر( ).
أما المقطع الثالث فيعد محور المرثية الذي انتظم من (74) بيتاً ، يفصل الشاعر فيه الدمار الذي حل بمدينة أور خاصةً فقدان كل أشكال الوفرة، فهو يندب معاناة شعبها ملكاً وكهنة وشعباً، وما أصابهم من قحط ومجاعة ورعب وخوف، فقد أحرِقَت أبنيتها ومعابدها، ونُهِبَت مخازنها وغلّتها وجفت أنهارها، إلا أن الشيء الذي يعد جديداً في هذا الدور هو بكاء الإله ننا (su’en) أمام أبيه انليل متسائلاً عن سبب الدمار، ومناشده أن يعطف على مدينته ، ويعيدها إلى سابق عهدها( )، حيث جاء ما نصه:
296. انليل أصاب المدينة بمجاعة ضارة.
301. أصبح شعبها مثل سمكة محجوزة (في بركة) تبحث عن ملجأ.
302. الكل طُرِحوا أرضاً لا أحد يستطيع النهوض.
340. الإله انزو En-Zu (سين) انتحب أمام أبيه انليل.
341. آه يا أبتي، أنت من أنجبني، لماذا تحولت بعيداً عن مدينتك أور التي أقيمت من أجلك؟
346. مدينة أور أضحت تلالاً خَرِبة كأنها قلبت بمعزقة.
348. آه (يا) انليل مدينتكَ ... أرض مهجورة.
352. يا أبتي يا والدي .. ما الذي فعلته مدينتي لكَ؟
353. يا انليل أعد مدينتي أور من عزلتها لتعانقك( ).
والقسم الرابع يتضمن جواب انليل البارد والقاسي لولده ننا الذي خابت آماله برفض أبيه استغاثته، ولم يكتفِ بذلك بل إنه وَبَّخَهُ على التشفق لمدينة اور التي كُتِبَ عليها الدمار وعند مجمع الآلهة، وهو قرار لا يبدل ولا يرد، فإن (أور) استوفت نصيبها من الملكية فينبغي نقلها إلى موضع آخر؛ لأنه لم يقدر أن تدوم الملوكية في بلد واحد.
إن رسالة المرثية هنا واضحة وهي تقول لنا إن عالم الإنسان قائم على الصيرورة والتبدل الدائم، والإنسان لا يكاد يطمئن إلى ثبات رغد الحياة وديمومته حتى يحم عليه قضاء الآلهة بفتنة، والدول والممالك لا تقوم وتزدهر فتصل إلى أوج عزها حتى تأتي ساعة انحدارها. ومدينة أور لم ترتكب ذنباً واضحاً ، ولكنها أمِنَت إلى رغدها ودوام مجدها( ) فاستسلمت المدينة لأعدائها ففعلوا فيها ما فعلوا من قتل وتدمير، وسلّط على من بقي منهم القحط والمجاعة، واندفع العيلاميون واكتسحوا المدينة وشعبها فاستسلم المدافعون عن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنت التلعفر الحلوة



عدد المساهمات : 45
نقاط : 49
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 24/06/2011

مُساهمةموضوع: رد: الفصل الاول ادب الرثاء في بلاد الرافدين في ظل المصادر المسمارية   الخميس أغسطس 25, 2011 9:07 am

شكراااااااااااا على هدا الموضوع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الفصل الاول ادب الرثاء في بلاد الرافدين في ظل المصادر المسمارية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات فراشة تلعفر :: قسم العامه :: قسم المواضيع العام والشامله-
انتقل الى: